فريق الجزيرة توك - لبنان
لم تحظ الثورة السورية بموقف واضح من العديدين. كانت الثورة التي قصمت ظهر المتلطين بالكلام، وما أكثرهم بين زعمائنا العرب. فيها تكلم الصامتون قبلاً (واقصد مثلا دول الخليج، الذين لم يكونوا راضين عن سقوط أنظمة "متعاونة" مع الغرب وأمريكا مثل تونس ومصر وما جرى في البحرين)، وسكت المتبجحون بالحريات وحق الشعوب قبلا (حلفاء سوريا ومن ناصروا الثورة في مصر وتونس والبحرين لنفس السبب أعلاه).
أما لبنان، فظل في تناقضه الغريب. منقسم بين المؤيدين للثورة (السنة واليساريين)، والمعارضين لها (حزب الله والشيعة وكثير من المسيحيين). واتخذ المعارضون خاصة، مدعومين بمؤسسات الدولة التي يسيطرون عليها –وفي طليعتها الجيش- مواقف متطرفة تجاه دعمهم للنظام السوري، فوردت شهادات عن جرحى الجيش الحر الذين يعالجون في طرابلس مثلا فتقطع أياديهم وأرجلهم بدون أسباب طبية لمنعهم من العودة الى القتال؛ وعن منع بعض النازحين المدنيين من الدخول أو طلب فيزا منهم؛ وعن قيام الجيش بمسح الشعارات المعارضة للنظام عن الجدران والطرقات والأماكن العامة؛ إلى جانب رفض لبنان الشهير لقرار مجلس الأمن الذي كان يهدف إلى إدانة ما يجري في سوريا وما يرتكبه النظام. وقد التقطت الصورة المرفقة عن رصيف كورنيش بيروت البحري، حيث توجهت فرقة من الجيش خصيصا لمحوها بعد ساعات على وضعها.
ومن العبارات التي لفتتنا مثلاً (قبل محوها طبعاً) "ثلاثة لا يدخلهم بشار: باب عمرو وباب التبانة وباب الجنة"؛ وعبارة "الممانعة مو مانعة غير حريتنا بسورية" والتي بدلا من محوها حورت لتصبح "الممانعة مو مانعة غير حريتنا بالسعودية".
وباب التبانة هي منطقة سنية في طرابلس، لطالما كانت في اشتباكات وتنازعات مع منطقة مجاورة لها هي باب محسن والتي يسكنها العلويون الموالون للنظام السوري والمدعومين من قبله. ولعل مدينة طرابلس الآن هي أحد أكثر المناطق توترا وشحنا في لبنان، يحكم قربها من سوريا، وإن كان معظم سكانها من السنة المؤيدين للشعب في ثورته.
وانتشرت التهديدات من أنصار النظام إلى معارضيه، كما سجلت حالات اعتداء بحق مؤيدين لبنانيين للثورة، منها حالات طعن وحرق أملاك؛ وكذلك طرد تعسفي بسبب المواقف السياسية؛ هذا إذا لم نذكر التهديدات التي تصل بشكل شبه يومي إلى الناشطين، على حساباتهم الإلكترونية وهواتفهم النقالة.
رغم كل هذا، لم يتورع الشباب عن التعبير عن آرائهم قولا وفعلا، والمشاركة في حملات التبرع والإغاثة، حيث يقدر عدد النازحين السوريين في لبنان حالياً بأكثر من ثلاثين ألف نازح، جلهم من النساء والأطفال، وفيهم آلاف الجرحى.
والمشهد القلق الغامض في سوريا ينعكس قلقا وانتظارا في لبنان؛ الذي طالما كان ملعبا للسياسة السورية ومتنفسا للصراعات الكبرى في المنطقة، وتحديداً صراع "الممانعة" و"الاعتدال" هو الآن وعلى غير العادة الساحة الخلفية، سواء من حيث استقباله للنازحين والجرحى، أو من حيث ما يتواتر عن مشاركة حزب الله في الداخل السوري في صفوف النظام، وأيضا من مشاركة عبر الحدود لمتطوعين في صفوف الثورة والجيش الحر.
وكل هذه مقدمة بسيطة لمشهد مركب من تجليات الثورة السورية في لبنان وانعكاساتها؛ وهو ما سيكون موضوع سلسلة من تقاريرنا القادمة والتي سنستضيف فيها حالات لأناس سواء نازحين أو مناصرين أو معارضين، أو ضحايا.

وفي التقرير التالي: ماذا يوجد في الغرفة 613؟