هبة مصالحة – الجزيرة توك - جنين
" وكأنني قد متُّ قبل الآن... أَعرفُ هذه الرؤيا، وأَعرفُ أَنني أَمضي إلى ما لَسْتُ أَعرفُ. رُبَّما ما زلتُ حيّاً في مكانٍ ما، وأَعرفُ ما أُريدُ"، على وقع كلمات درويش هذه، دخل الحضور مساء السبت إلى قاعة سينما جنين تُزينها صورة الشاعر الراحل وضعت فوق منصة تأسر الألباب وتجذب الأنظار.
"ربما ما زلت حيًا في مكان ما"، قال درويش في جداريته، فتحققت أمانيه إذ فارق جسده الدنيا، وبقيت كلماته ترفرف في سماء فلسطين، تُعلنها نهضة للشعر والأدب الوطني.
هي الذكرى الرابعة لوفاة شاعر اللاجئين محمود درويش، أصرت مجموعة من شبان مدينة جنين في الضفة الغربية على إحيائها، تكريمًا للشاعر، وإنقاذا للثقافة الفلسطينية، والشعر المقاوم الوطني الثائر، فكانت أمسية فنية راقية حضرها عدد من أدباء فلسطين وشعرائها، ولفيف من أبناء الشعب من سكان الأراضي المحتلة عام 1948 والضفة الغربية.
أدبٌ وطني
وعلى وقع قصيدة "أنا لست لي" و"الزنابق البيضاء" للشاعر الراحل، افتتحت الأمسية، التي عرفتها بتألق الشابة ريهام العمري، وبدأت عرافتها بدعوة الجماهير إلى الوقوف دقيقة حداد على أرواح شهداء الشعب الفلسطيني.
وأكد الشاب لؤي طافش الذي تحدث بلسان القائمين على الأمسية على أن موعد الأمسية يتزامن مع ذكرى يوم الأرض وأحداث معركة مخيم جنين، إلى جانب مسيرة القدس ومسيرات حاجز قلنديا.
وقال طافش: "نفتخر بشاعرنا الراحل محمود درويش ونفتخر لأننا نحيي اليوم ذكراه بحضور هذه الجماهير"، داعيًا إلى رفع مستوى التعامل مع المشروع الثقافي الفلسطيني الذي هو جزء من المبادئ والثوابت الوطنية.
بدوره، أعرب الشاعر الأديب حنا أبو حنا وهو أحد أصدقاء الراحل محمود درويش عن سعادته لوجوده على أرض جنين، يحيي أمسية فنية بحضور ممثلين عن أطياف الشعب الفلسطيني كافة، في جو أضفى روحًا من الإلتحام في صفوف لأبناء الوطن الواحد.
وأضاف: "جنين هي منشأ الشاعر الراحل برهان الدين العبوشي، الذي علينا أن نخلد ذكراه في نفوس الأبناء ونحيها في مناهجنا وكتبنا".
للراحل ... حصة الأسد
وأسهب الشاعر أبو حنا بالحديث عن حياة درويش ومنشئه، مشيرا إلى أنه لم يكن شاعرا فحسب، بل كان أديبا قادرا وفنانا مبدعًا مثقفًا، وهذا ما يحتاجه شعراء هذه الأيام" على حد تعبيره.
وخلص بالقول: "علينا أن نولي شعر محمود درويش أهمية كبيرة في عصرنا الحالي، وأن نعلم شعره لأبنائنا في مدارسهم، فهو سلاح المعركة، فدرويش يقف على رأس الشعراء الكبار، وما من تعليم شعره للأجيال بد".
ولم تقف عقارب الساعة عند الخطابات فحسب، فقد كان لدرويش حصة الأسد فيها، فكان شعره حاضرا برغم غيابه.
شعر لا يموت
وقدم الفنان إياد ستيتي وعدي خطيب، فقرة فنية ملتزمة، بدءاها بأغنية "أمرّ باسمك" وهي قصيدة لدرويش لحنها الفنان الملتزم مارسيل خليفة، إلى جانب أغنية "يا نسيم الريح"، و"أحن إلى خبز أمي"، وصولا إلى قصيدة "أنا وريتا" التي عندها كانت الخاتمة.
وقال ستيتي إن: "الراحل محمود درويش خلف وراءه مجموعة من دواوين الشعر التي تخلد ذكراه وتمد أبناء هذا الوطن بالحسن الوطني وتجمعهم رغم الانقسامات في ظل قصيدة أو بيت من الشعر يحيي فيه روح النضال، فنعم مات درويش، ولكن شعره لا يموت".
وفي غمرة الألحان اعتلى الشاعر الفلسطيني الشاب بشار طميزي منصة الحفل، ليتحف الجماهير بقصائد ثمينة، بدأها بقصيدته "هي للموت" وختمها بقصائد مختلفة للراحل درويش.
وختامًا، تناسقت تصفيقات الجماهير مشكلةً نغمًا مطربًا على وقع صوت الفنانة ريم تلحمي، التي سرقت أسماع الجماهير بأغنيتها "يحملني الليل"، ومن ثم قصيدة "جدارية خضراء" للراحل محمود درويش، وختمت فقرتها شادية لقطاع غزة المحاصر.
ويشار إلى أن الأمسية الفنية لإحياء ذكرى الراحل محمود درويش، تعد إحدى أهم النشاطات الثقافية التي شهدتها مدينة جنين خلال السنوات القليلة الماضية.