يمنى طاهر - الجزيرة توك - قطر
إضاءة خافتة وعرض يبدو مُشوقاً، موسيقى فلامنكو خفيفة تنساب في المكان، وجدت نفسي تهيأت لمعرض فني كما أحب، نظرت فجأة فوجدت هذه الصورة الرئيسية بحجم حائط كامل... واندهشت.
(شاهد الصور أسفل المقال)
بالحيّ الثقافي في الدوحة كنتُ؛ زرتُ بالصدفة معرضاً فنياً عن الفلامنكو اسمه "الغناء للحظة".
كل عام ومنذ أكثر من عقدين تستضيف المدينة الفرنسيّة الصغيرة "مونت دي مارسان" مهرجانا للفلامنكو، عام 2009 دُعي إليه المصوران الفرنسيان جيل كولون ومات جاكوب وهما من جماعة "تندانس فلو" (1)، بغرض توثيق عالم الفلامنكو بالصور، وكما يصفان التجربة بأنها كانت تحدّ؛ إذ كيف يمكنهما توثيق غناء ورقص قائم على الإحساس بصور جامدة؟
و أنا أتفرج على الصور التي نقلت لي إحساساً غامضاً مريباً، أصابني الإنقباض، وشعرت أنني أدخل إلى عالم قميء لا حدود له، ولا آداب تحفظ جماله، عالم أقرب للبوهيمية، حيث يُطلق الإنسان لهواه العنان، لا يحدّه حدود، يفعل ما يشاء وقتما شاء ولا مجال هنا لكلمة "أدب" أو "ثقافة مجتمع"، يستخدم مصطلح "البوهيميون" لوصف مجموعة من الفنانين، يدعون إلى التفكير الحرّ المطلق غير المقيّد محاولة منهم لاضفاء أسلوب خاص في نتاجهم الأدبي أو الفني، لذلك فهم لا يمتثلون في سلوكهم وأعمالهم إلى أعراف المجتمع وتقاليده.
روك آند رول !
لا مجال هنا للحديث عن "دين" أو " أخلاق" أو "هوية"، أذكر أنني في حوار مع أستاذي الذي يُعلمني صناعة الأفلام حول فن "الروك آند رول" قال لي: "روعة هذا الفن تكمن في جنونه، أنت تفعلين كل ما هو غير تقليدي، الرجال العاديون يقصّرون شعورهم وهم يطيلوه، الناس الطبيعيون يرتدون الملابس وهم يخلعونها، إنه جنون يكسر روتين الحياة، جمييل!!".
وأنا لا أخفي عنه اشمئزازي وتدور بنفسي كل معاني الدين الضابط للمجتمعات، والقيم والتقاليد، والفطرة السليمة التي تسكن إليها النفس البشرية، ودّدت حقا أن أسأله "حينما تتسخ وتعرق و تعود للبيت مُتعبا وتأخذ حماماً ساخناً وتلبس ملابس نظيفة وتتعطر ألا تشعر بالسعادة؟" ولكنني آثرت الصمت، لن يفهم ما أقول وهو كان عضواً بفريق للـ"روك آند رول" يمارس طقوسه الغريبة بالسعودية.
نعم لا تندهش... بالسعودية، أكثر المجتمعات محافظة، عند هؤلاء كلما زادت القيود كلما زادت المتعة في كسرها؛ولكنني كنت أحاول عبثاً في داخلي أن أُبسّط له معنى "النظافة" التي يحتاجها كثيراً، اكتفيت بالقول أنني أعترض ولا أجد سعادة في هذا.
و أنا في طريقي للعودة من المعرض نازعتني أفكار عنيفة، لماذا تزداد "عقدة الخواجة" بأنفسنا يوما بعد يوم، نعم نحن واجب علينا أن نتعلم من الغرب، واجبا علينا أن نملك أسباب القوة التي يملكونها هم، فربما نسيت أن أخبركم أن أستاذ الأفلام هذا خبير بصناعة الأفلام العالمية بقنوات مثل "ناشيونال جيوجرافيك و"سي ان ان" ، لكن - وفي نفس الوقت و بنفس القوة - يجب أن نتجنّب الكثير من ثقافتهم التي لا تُناسب مجتماعتنا، يجب علينا أن نحذر "الانبهار" بأي شيء وكل شيء؛ حتى لا ننساق لأن نعرض بدولة عربية محافظة ثقافة "بوهيمية " كالتي رأيتها.
الفن يتجلّى..والفلاح يتفلّى
أذكر يوما كُنت في الصف الأول الإعدادي، أحضر درس اللغة الفرنسية، ولأنني لم أكن أفهم منها شيئا، ولأن المدرس كان مُضحكا، انصرفت عن كل ما حولي وأخذت أرسم في دفتري "شخابيط" لا معنى لها، وفجأة خفّ صخب الزملاء من حولي ورفعت وجهي لأجد الأستاذ فوق رأسي تماماً ينظر في دفتري، سكت برهة مُتأملا ما رسمته، ثم قال: "صحيح الفنون جنون، وصحيح برده الفن يتجلّى والفلاح يتفلّى"؛ وانفجر الجميع ضاحكا وأنا معهم، يومها فقط علّمني أستاذ اللغة الفرنسية معنى الفن الحقيقي دون أن يدري أو أن أدري،علّمني أن الفن إن لم يُعبّر عن البُسطاء لا قيمة له ولا بقاء، علمني أن الفنون جنون، ولكنه جنون جميل، وما رأيته أنا في معرض "الفلامنكو" كان جنون... لكنه لم يكن جميلاً.
(الصورة الرئيسية التي عُرضت بحجم حائط كامل)





___________________________
(1)جماعة "تندانس فلو" هي جماعة فنية تأسست عام 1991 بفرنسا، هدفها العمل بشكل جماعي على التصوير الفوتوغرافي بمنتهى الحرية وباستقلالية كاملة دون التقيد بأي حدود.