منجية إبارهيم - الجزيرة توك - الجزائر
أكتب ..وأنا لا أعرف إن كان قلمي الذي أصيب بشلل نصفي منذ شهور، بإمكانه السير على الورق حتى ولو بكرسي متحرك، أو بعصا يتوكأ عليها ويهُشُّ بها أفكاره، الكتابة عندي في حالة موت سريري ،النص في خصومة مع الكلمة والفكرة تطلق النار على الفكرة، والسطور تنظر إلى نفسها في المرآة فتتفاجأ بوجه شاحب مصفرّ بعد غيبوبة طويلة. استيقظت هذا الصباح ...
اشتهيت أن أتناول رقائق الكِلوكس كوكو (مش عارف إيش) بالحليب، فاكتشفت أن رفوفنا العربية خالية ، وأننا استنفذنا كل علب الاستنكار والشجب والتنديد في انتظار "الطلبيات" التي لم تشحن بعد إلى موانئنا.
قمت بتشغيل التلفاز ، ها هو العالم يتأهب لـ"حريةٍ أخرى" ،ورائحة الدماء مازلتُ أشمها فينا، رغم أننا غسلنا أيادينا إلا أنها مازالت عالقة .. تجولت بين القنوات الفضائية العربية بحثا عن ... (شيء ما)
،استوقفتني شابة تتنطّط هنا وهناك وتغني (أركب الحنطور ...درغن درغن واتحنطر..!!) ثم أمسكت خصلات شعرها بالسبابة وبدأت تسأل المتصل بصوت لا أدري من أي محل عطارة اشترته:« فاكهة تتكون من ثلاث حروف تبدأ بحرف الخاء وتنتهي به، إذا استبدلنا الخاء الأخير بحرف الفاء نحصل على اسم لدولة عربية ، جاوب واكسب »
تساءلت بيني وبين نفسي إن كان المتصل على الخط الآخر مازال محتفظا برباطة جأشه ؟ أو... _عفوا_ هل مازال على قيد الحياة؟!
أغلقت التلفاز وتركت الفتاة تواصل ركوب "الحناطير" مع المتصلين!!
قمت بتشغيل الراديو، كانت المذيعة تستقبل مكالمات المستمعين عبر الأثير وهم يتبادلون التهاني والتحايا...آخ يا عربْ ، نحن شعب نعشق تبادل التهاني والتحايا بمناسبة أو بدونها.
بالمناسبة ..! دعوني أهنئكم ، وصدقوني هناك أسباب عديدة ومناسبات كثيرة يمكنني أن أؤلفها كي أهنئكم ، بمناسبة السنة الميلادية أو الهجرية مثلا ؟مع أن وقتا طويلا مضى عليهما ولكن( اعتبروها تهنئة ..كالبيتزا هوت تصل متأخرة وباردة ). بمناسبة ذكرى النكبة ربما؟ أم بمناسبة ذكرى الجزيرة توك الرابعة؟ أم بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لازديان فراش جار خالة عمتي بمولود بهي الطلعة... على كلِّ ، اختاروا (ما يناسبكم) .
أو.. بمناسبة كل تلك المناسبات دعوني أهنئكم، ونحن نجلس على دكّة الفرقاء ، نخمش وجوه بعضنا البعض بأظافرنا المطلية بالتُّهَم ونتابع الشوط الثالث من مباراتنا التي يلعبها الآخرون بدلا عنا..في ملعبنا..!
أهنئكم، وغزة تمسك العالم من أذنه وتقوم بتركيعه ، تأمره بأن يجمع أوراق البوكر التي تبعثرت في كازينوهات "وول ستريت" عندما كان يراهن هناك على سقوطها وعدم قدرتها على الصمود ..
أريد أن أدفن رأسي في التراب ...لكني سأهنئـُنا على أية حال، العالم يتأهّب لـ"حرية أخرى"، والجزائر ؟ مازالت تبتاع من المحلات الرياضية "الشماريخ" وأقمصة تناسب مقاسها قبل أن توافي المنتخب القومي إلى "جوهانزبورج".
دولة تضع رجلا على رجل، تغرز زهرة ياسمين في شعرها وتدخن الأرجيلية، وأخرى تبحث عن مفتي يجيز لها الاختلاء بأمريكا دون محرم ، وثالثة أجرت مؤخرا جراحة تجميلية لشفط الدهون... والنساء الصغيرات المتبقيات يشاهدن المسلسل التركي الجديد "سوبردوغان".
أنا أكتب ..والقلم يجمع النقاط والحروف والفواصل وعلامات الاستفهام والتعجب في حقيبته قبل أن يعود من حيث أتى، و"سيد درويش" يريد أن نمنحه دقائق إضافية كي يعود للحياة ويستسمح الأرض التي اعتقد أنها " بتكلم عربي" عن هذا الخطأ الجسيم. ونحن؟ تحتاج "العروبة" فينا إلى رقية شرعية...!