الكرة.. وصك الوطنيات الجديدة!
محمود ابو بكر - الجزيرة توك - الجزائر
لم يكن من المناسب الكتابة حول هذا الموضوع الشائك قبل ''فض الاشتباك'' القائم بين الكرة (التي هي رياضة للجسد وللروح ربما) وبين ما يوصف بهوجة الوطنيات الجديدة أو بالأحرى البديلة··
فالأمر يبدو في غاية ''التماهي'' سيما إذا ما اتخذنا عن جولات اللقاء بين كل من منتخبي مصر والجزائر (لكرة القدم )منذ يونيو الماضي وحتى يناير مثالا لهكذا اشتباك ملتبس·
لا أقصد في هذه المحاولة إسداء نصائح أو تقديم معلومات بقدر ما أسعى إلى قراءة المشهد وتطوراته الخطيرة دون إقحام القارئ في التفاصيل الكثيرة والمملة والمحبطة التي تابعها بكل حواسه، والتي أيضا انعكست سلباً حتى على مستوى العلاقات الرسمية والشعبية بين البلدين المذكورين كنموذج لرواج هذا الاتجاه الراديكالي الجديد في التعاطي مع "اللعبة" الأكثر شعبية في العالم·
والواقع أن أي محاولة للحديث عن استعادة حرارة العلاقات بين القاهرة والجزائر في أي وقت لاحق لا يمكن أن تبدو سليمة ومعافاة وحتى ممكنة دون العودة إلى أسباب تنامي هذا الاتجاه في المجتمع، والجهات التي دفعت به إلى الواجهة، بهذا الشكل المقزز، ولماذا أصبح المواطن "لقمة سائغة ''في أيدي هؤلاء الذين يجعلون من ''الكرة وسيلة كراهية'' لا وسيلة منافسة شريفة لإعلاء الروح وتقديم المهارات الفنية·
يقول الأستاذ جمال فهمي في تحليله للظاهرة من الجانب المصري، أنها بدأت عندما ''تسرب بعض من قليل الثقافة والأدب من تحت الكباري نحو استديوهات الفضائيات''، وهي رؤية بقدر ما فيها من ''الطرافة الجارحة'' فهي تسكب بعضاً من الملح على أطراف الجرح·
فيما أن الأعراض -بالنسبة لي على الأقل - بدأت عندما تم التعاطي مع ''ماتشات'' الكرة في البلدين بوصف ''الواقعة / المعركة و·· و·· الخ''، وهي أوصاف بقدر ما فيها من جانب ''بلاغي'' فهي بذات القدر تعبر عن اختزال للإدراك ''الشعبوي'' للقاءات الرياضية من جهة، وبالتالي تساهم في ''تشكيل الوعي الزائف'' لدى العامة من جهة أخرى·
وكما قلت سابقا في إحدى اللقاءات الإعلامية ''فإن اللحظة التي تم فيها استخدام مفردتي النصر والهزيمة عوض الربح والخسارة في وصف نتائج كرة القدم'' هي ذات اللحظة الفاصلة التي أسست لهذه الروح السائدة الآن سواء بين جمهور مصر والجزائر أو حتى لو تعدت الحالة والأعراض نحو جماهير أخرى! لا قدر الله، حيث تم تعويض مفهوم المنافسة الشريفة بمنطق المعركة الحربية (في العقل الباطن للمواطن) وبالتالي أضحى يرى أنه لا مجال للتسامح مع ''الهزيمة'' باعتبارها عاراً ومساساً بالكرامة الوطنية ، وليست خسارة ممكنة في ملاعب الرياضة!·
وبالتالي لا يمكن التفكر في ضرورة ''الإعداد الجيد لاستعادة الخسارة'' بقدر ما يتم التفكير في إمكانيات ''التجيش للثأر'' وهنا يتحول ''المنافس إلى عدو'' وتفقد الرياضة ألف بائها الأولى·
كل تلك أعراض أولية لنتائج شاهدناها جميعا سواء في القاهرة أو الجزائر، بدءاً بالاعتداء على حافلة ''الخضر'' فور وصولها لمطار القاهرة، ومرورا بالاعتداءات التي وقعت على بعض الشركات المصرية العاملة في الجزائر ثم الحواديت الكثيرة حول أحداث ''مفترض '' أنها وقعت ''في الخرطوم''، بصرف النظر عن مدى صحتها·
والواقع أن هؤلاء الذين رشقوا ''الحافلة الجزائرية'' بالطوب، أو حتى أولئك الذين تعرضوا للشركات المصرية بالحرق والإتلاف في الجزائر ، لم يكونوا ''الجناة'' بقدر ما هم ''الضحية'' في تلك الحرب التي لعبها الإعلام باحترافية ''عسكرية نادرة''!
ربما هذا الاختزال، وبالتالي النتيجة، تبدو ''بديهيةً'' وربما ''مكررة'' أيضا-لدي البعض - لأن الذي ظل واضحا في المعادلة هو الإعلام الذي لم يكل ولم يمل من سكب مزيدا من ''الكيروسين'' على النارالمشتعلة، ولكن الذي ينبغي أن لا نجعله يمر لماما بين هذه السطور، هو لماذا ارتضى الإعلام لعب هذا الدور الوضيع؟ وحاد عن احترافيته المهنية لصالح ''احترافيته الحربية التي لا غبار عليها''؟!
تلك ''الإشكالية'' ستظل مطروحة إلى أن يعود القائمون على هذا المجال الحساس إلى رشدهم ويجروا مراجعات مهمة للكشف عن هذا الخلل·· لكن مما لا شك فيه أن ''السياسي'' قد استفاد كثيرا من سيادة هذه الروح السالبة في المجتمع!
بحيث أضحت ''الرياضة'' بديلا للمجالات الأخرى·· وتحقيق ''مكسب'' مستحق فيها أضحى بديلا للانتصار الحقيقي على ''الفقر والجهل والاستبداد''!
وبالتالي، فإن إقحام ''المواطنين'' في حروب ''دونكشوتية مفترضة'' مع أشقاء لهم في أقطار أخرى، كان وسيلة مناسبة ''للأنظمة الحاكمة'' لممارسة ساديتها، وشغل الرأي العام بهذا العدو ''الجديد / المفترض'' بعد أن أسقطت تلك الأنظمة من قائمتها جميع ''الأعداء الحقيقيين''·.لصالح الأعداء الإفتراضيين الجدد.
لم أعد أفهم لماذا تمثل الرياضة في جميع ''أقطار الدنيا'' منافسة شريفة يكسب فيها ''الأقدر على تحقيق الأهداف'' وهز الشباك بشرف، فيما يفاخر الخاسر بإمكانياته على تقديم ''اللعب النظيف'' والإمتاع الذي حققه لجمهوره بعيدا عن النتيجة التي قد تخضع لشروط التوفيق أيضا بجانب الأسباب الموضوعية··
فيما تبقى الشعوب العربية ، تقرض من ''طواحين الكراهية'' وتستغل كل وسائط الاتصال الحديث في سبيل بث الكراهية · من فضائيات، صحف، مواقع ومنتديات··· خاصة شبكات التواصل الاجتماعي في الأنترنت كالفيس بوك مثلا ··· ·
هذا السؤال يحيل ذاته نحو ''التصور الرسمي للوطنيات الجديدة''، والتي أحبذ وصفها بـ ''الوطنيات البديلة''، حيث الأمر لا يتعلق بحداثتها كظاهرة بقدر ما يتعلق بإسقاطها للكثير من الحقوق والشروط التي تفترضها تلك ''الصفة''·
والواقع أن هذا التصور وغيره من الدلالات الواضحة ''لغياب الوطنيات القديمة ''لصالح'' الوطنيات البديلة'' التي تستعوض التحديات القائمة -من استحقاقات سياسية تتعلق بالإصلاح السياسي والديمقراطي إلى غيرها من التحديات الاقتصادية والاجتماعية -، بفورة الوطنية البديلة التي لا تبحث إلا عن ''نصر'' مفترض على ملاعب الكرة!
وللأسف، فإن "ماكينة" الإعلام سواء ''الصحف الجزائرية'' وعلى رأسها ''الصحف التي حققت طفرة كمية على حساب تلك الأزمة'' أو الصحف والفضائيات المصرية التي ظلت تنفخ في ذات الكير، قد ساهمت جميعها في إجهاض ''المواطنة الحقيقية'' واستحقاقاتها لصالح ''الوطنيات البديلة'' التي سوف تكون ماكينة الإعلام نفسها هي ضحيتها الأولى.


الجزيرة توك لا تعبر عن شبكة الجزيرة ولا العاملين فيها، والموضوعات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات
سئمنا من الماضي
يعتر الجزائريون كل الاحداث التى حصلت في الايام السابقه من الماضي لان الطريق لايزال الى الامام وهناك حفل كبير ان شاء الله في انتضارهم فلما الرجوع الى الوراء الكل في انتضار المونديال والحمد لله لا وجود للمصريين في جنوب افريقيا لدلك لن تكون هناك مشاكل طبعا لدلك فلننضر الى الامام وسئمنا من الماضي يعنى المصريين
ردا على صاحب الرد الأول
ونحن سئمنا من اكاذيبكم عبر الجرائد عن ان الحكم البينيني ظلمكم وانه لم يكن عادلا معكم فإذا بالفيفا تعاقب الحكم لأنه جاملكم في عدم طرد شاوشي صاحب الشبكة المميزة 4/0
سئمنا كذبكم المتكرر وبكائكم الهستيري نرجوا التجديد والحديث عن اخفاقكم امام الساجدين
سئمنا ياجماعة من الفوز بكاس افريقيا لسبع مرات ..وبالتأكيد لو كنا ذهبنا الى كأس العالم لما كنا خرجنا من الدور الأول ..بل لو صلنا في مراحل متقدمة كما فعلنا في كاس القارات عندما انتصرنا على بطل العالم المنتخب البريطاني وجعلنا شباك البرازيل تهتز لأكثر من مرة
ايها السائمون وصوموا عن البكاء
بخصوص مباراة الخرطوم والصحيح
بخصوص مباراة الخرطوم والصحيح أم درمان لم يحدث أي شئ خارج عن نص المواجهة الكروية ولم تترك الادارة السودانية المتميزة للقاء أي فرصة لحدوث تشويش أو كدر للسير المطلوب للمباراة.
جماهير الجزائر لم يكن لديها ما يدعوها لغير الاحتفال وشاركها في ذلك الغالب الساحق و الساحق جدا من السودانيين، فاتجهت للابتهاج والفرح حيث لامجال للالتفات للخاسر.
الخاسر و بالأحرى اعلامه لم يكن ينتظر هذه الخسارة والصدمة بعد وقوع الخسارة غيبت العقل وأعمت البصيرة فلا بد من شغل الجماهير المصرية وإلهاءها عن (الكارثة) بشئ أكبر من (الكارثة) ذاتها فتم اخراج تلك تلك الأكاذيب في الشاشات والصحف بكل أشكال وألوان الوهم والخيال حتى ينسى الجمهور المصدوم تلك الصاعقة.
الحكومة المصرية كانت تنتظر الانتصار حتى تستغل انشغال الشعب به لاعلان توريث الحكم واعادة مصر الفرعونية من جديد ولكن الخسارة في أم درمان أفشلت المخطط فحاولت الحكومة تنفيس الشحن الاعلامي غير المبرر بتلك الأكاذيب.
موضوع مستهلك
الجزائريون منهمكون بالتحضير للمونديال
هذا الموضوع أصبح قديما ومستهلكا
نرجو التجديد
سئمنا ...............................
أضف تعليقاً