اقتراض الحقوق !
قانون مصري جديد يقرّ تجارة الآثار داخلياً
محمد منصور - الجزيرة توك - المنصورة
لا يستطيعُ أحد أن يُنكِرَ الدورَ الكبيرَ الذي يلعبه الدكتور "زاهي حواس" أمين المجلس الأعلى للآثار المصرية في الكشف عن المزيد من الآثار المصرية القديمة، ولكن للأسف الشديد كان أداؤه تجاه قضية الآثار المصرية الموجودة خارج مصر مخيباً للآمال.
فمن المعروف اأن هناك عددٌ هائلً من القطع الآثرية خارج مصر، والتى يرجع معظمها للعهود الفرعونية القديمة. هذه الآثار انتقلت للخارج على مدار عقود سابقة منذ بدايات القرن الثامن عشر على يد البعثات الأجنبية التي جاءت إلى مصر للكشف عن الآثار الفرعونية. وقد كان قانون الآثار المصري في ذلك الوقت ينص على اقتسام الآثار المكتشفة بين الحكومة المصرية وتلك البعثات، وعُرف ذلك باسم "نظام القسمة" الذي ظل العمل به قائماً لفترة طويلة. بعدها استمر تدفق الآثار المصرية إلى الخارج في فترات سادت فيها الفوضى في مصر مثل فترة الحملة الفرنسية على مصر و فترة الإحتلال البريطاني لمصر، حيث كان معظم قناصل الدول في مصر يعملون كتجار للآثار، و قد نجحوا في نقل الكثير من القطع النادرة إلى بلادهم.
هذا بالإضافة إلى قيام بعض حكام مصر بإهداء الآثار حيث أهدى محمد علي مسلة لفرنسا كما أهدى الخديوي عباس الأول جميع معروضات أول متحف للآثار الفرعونية والذى كان مقاماً داخل أحد قصور المماليك فى الأزبكية لولي عهد إمبراطور النمسا.
بينما أهدى جمال عبد الناصر لشاه إيران السابق وزوجته ولشخصيات عديدة من الملوك والرؤساء تماثيل للطائر أبيس والآلهة أوزوريس وإيزيس ومجموعة من العقود والأواني من عصر الملك زوسر . كما أهدى الرئيس أنور السادات مجموعات تماثيل وأواني من التى عُثِرَ عليها في منطقة سقارة بالإضافة إلى تماثيل خشبية مذهبة ترجع إلى العصر المتأخر.
و أهدت الحكومة المصرية فى عهد السادات أيضاً مجموعات آثار مثل معبد دندرة الصغير والذى كان مقاماً على أرض النوبة للرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون أثناء زيارته لمصر عام 1974، كما أهدت معبد دابوت إلى الحكومة الإسبانية والمقام حاليا على ربوة عالية في ميدان مدريد.
و من أشهر الآثار المصرية القديمة الموجودة في الخارج والتي دار حولها الجدل مؤخراً "رأس نفرتيتي " والمعروض حالياً في متحف برلين بألمانيا، وكذلك حجر رشيد والموجود في المتحف البريطاني، وقد طالبت مصر أكثر من مرة باستعادة هذه الآثار ولكن دون جدوى.
يبدو أن القائمة تطول، فمن هذه الآثار كذلك المسلات المصرية الموجودة في عدد من العواصم الأوروبية و أشهرها مسلتان توأمان أطلق عليهما اسم (إبرة كليوباترا)، وقد شيدتا منذ أكثر من 3500 عاماً وتوجد إحداهما في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية بينما توجد الأخرى بالقرب من نهر التايمز في بريطانيا. ذلك إلى جانب عدد من المسلات الأخرى الموجودة في إيطاليا و فرنسا و تركيا حيث أن إيطاليا بمفردها بها أكثر من 15 مسلة مصرية.
ليست الدول الأوروبية فقط ، بل حتى إسرائيل، حيث تمتلك عدداً كبيراً من القطع الأثرية المصرية التس سرقتها إبان فترة الإحتلال الإسرائيلي لسيناء. كما أن هناك واقعة شهيرة حدثت فى ثمانينات القرن الماضي تسللت خلالها مجموعة من الإسرائيليين إلى مخازن هيئة الآثار بالشرقية و سرقوا عدداً كبيراً من القطع الآثرية أعادت إسرائيل بعضها بعد سنوات من هذه الحادثة.
وفي مواجهة هذا الوضع يطرح الدكتور "زاهي حواس" حلاً وسطاً يُرضي مصر و يرضي الدول الغربية كذلك، ألا و هو أن "تستعير" مصر لفترة محددة بعضاً من آثارها في الخارج. يبدو أنه لم يجد الدكتور حواس إلا هذا الحل فى مواجهة رفض كل من ألمانيا و بريطانيا و غيرهما من الدول الأوروبية ترجيع الآثار المصرية.
إذن هذا هو الحل كما يبدو! حقوقنا نستعيرها بدلاً من أن نسترجعها. بالطبع هناك انقلاب للموازيين و اختلال للصورة في هذا الموضوع الذي ينبأ عن منهجٍ انتهجته عدد من الدول العربية التي تنتمي لما يُسمّى بمحور (الإعتدال العربي)، فهذا المحور كما يبدو لا يستطيع حتى أن يطالب بما هو حق واضح له، فقد اعتاد على التخلي عن الحقوق و الممتلكات، وإذا أراد استعادتها فهو لا يستطيع أن يُجاهر برغبته هذه ويحولها إلى فعل بل فقط يطالب باستعادتها.
كنتُ أظنُ مثل العديد من المراقبين للتغيرات على الساحة المصرية في الوقت الحالي أن يكون الموقف الرسمي المصري متشدداً تجاه أي شيء يمسُّ تاريخ مصر و حضارتها (الفرعونية)، هذه الحضارة التي دائماً ما نتذكرها حينما يأتي الموعد لكي نتباهى بتاريخنا و كأنه لا أمجاد لنا و لا ماضي إلا الماضي الفرعوني، فتجد دائماً من يقول"حضارة سبعة آلاف سنة"، كنتُ أظنُ أنّ النظام في مصر قد يكون حريصاًعلى آثار مصر المنهوبة في الخارج كحرصهِ على متابعة منتخب (الفراعنة) لكرة القدم.
إزاء هذه المواقف المخيبة للآمال من قبل النظام المصري تجاه ما سُرِقَ مِنْ مصر على مدى التاريخ، أجدُ نفسي أتذكر موقفاً تاريخياً للراحل رفاعة رافع الطهطاوي الذي احتج بشدة أمام الخديوي محمد علي باشا ضدّ نقل المسلة المصرية إلى فرنسا. حينها لم يأبه محمد علي لذلك فهي لا تحمل في نظره أية قيمة تاريخية، ويبدو أن هذا هو رأي القيادة السياسية في مصر على مدى تاريخها الحديث.
و أخيراً، وفي غفلة من الزمن و في خضم الإحتفالات الشعبية و الرسمية بفوز المنتخب المصري لكرة القدم بكأس الأمم الإفريقية، أقرّ مجلس الشعب المصري مشروع قانون كان قد تقدَّم به أحمد عز أمين التنظيم في الحزب الوطني الحاكم ورئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب يسمح بحرية تداول الآثار وتجارتها داخليًّا. وقد وافق المجلس على قانون الآثار بشكل نهائي وأقرّ المادتين اللتين كانتا محور جدل وهى المادة الثانية الخاصة بتعريف الأثر و المادة الثامنة التي تحدد كيفية التصرف في الأثر. هذا القانون سيفتح الباب أمام ظهور تجارة جديدة و قديمة فى نفس الوقت، حيث أن تجارة الآثار في مصر موجودة منذ القدم ولكن على نطاق ضيق و في الخفاء، أما الآن سيشرع السكان في الدلتا و الصعيد في الحفر تحت منازلهم لعل الحظ يبتسم لهم ويعثروا على الكنز المفقود.
إذن نصل إلى خلاصة مفادها انه لا داعى للدهشة من هذه الفرحة العارمة و موجة الوطنية الزائدة عن الحد فى الشارع المصري هذه الأيام بسبب فوز المنتخب الوطني، فتقريبا هذا هو الشيء الوحيد الذى قد يدعو للفرحة في الأوضاع الداخلية في مصر، و لنأمل أن لا نستيقظ يوماً فنجدُ إعلاناً كبيراً على الصفحة الأولى لجريدة الأهرام مكتوب فيه "مزاد علني لبيع الأهرامات الثلاثة و برج القاهرة"


الجزيرة توك لا تعبر عن شبكة الجزيرة ولا العاملين فيها، والموضوعات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات
لصــــوص الأوطـــــان !!!
نعم زميلي يجب ألا نستغزب من هكذا شرزمة يقتاتون بمصلحة الأوطان و يشرعون سرقتها و لو علي ظهر دبابة !!!
يجب ألا يستغرب القراء و نحن ننتظر من فاقدي الوطنية و الإنسانية أن يطوننا أياها
هــــي أشــــــياء لا تـُشـــــتري
قرار استغربت له فعلا ..
قرار استغربت له فعلا .. فتجارة الاثار كانت عمل غير مشروع حتى هذا القانون
وليست الاثار وحدها التى تباع فكل يوم نسمع عن بيع احدى شركات القطاع العام لمستثمر أجنبى
وكأنها حملة تصفية لكل أملاك الدولة مع تناسى حق المواطن المصرى فيها
أخشى أن يأتى يوما يبقى فيه المواطن المصرى هو الوحيد الذى يحمل الهوية المصرية الخالصة
شكرا منصور على التقرير
وعجبنى اوى تصميم أبو الهول (:
رغم امتعاضي الشديد لما يحدث
رغم امتعاضي الشديد لما يحدث من بيع تاريخ بلد الى بلد اخرى , الا ان الموضوع قد يؤدي الى انتشار الحضارة و افكارها للعالم و كل من لا يستطيع السفر الى مصر , كم كانت دموعي حبيسة عيني و عيوني شاخصة و معدتي متقلبة بحرارة و حزنت كثيرا لما حصل بالعراق بعد دخول جيش الاحتلال الصهيوني الامريكي للعراق و ما حصل من نهب لأثاره و حضارته . و شخصياً اتحفظ على التماثيل .
سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم
أضف تعليقاً