العيش على ضوء الشموع... اضطرارياً
مي ملكاوي – الجزيرة توك - عمّان
انفجار عدادات كهرباء عمارتنا أحال حياتنا بدائية بلمحة... مرت حادثة الحريق بسلام مع مغادرة سيارات الإطفاء.. الأضرار انحصرت في الصندوق وكافة التمديدات؛ والحمد لله لم تطل البشر.
إلا أن عمارتنا انقلب حالها فصارت فجأة ورشة عمل لعمال الكهرباء في محاولات لإعادة التيار بتبديل كافة الكابلات في كل جدران العمارة... شركة الكهرباء أيضاً عملت "على مهلها" لمتابعة إعادة شريان الكهرباء إلينا.. مما اضطرنا للعيش ستة أيام.. على ضوء الشموع.
بالنسبة لي كان الوضع الجديد المؤقت مسليا رغم صعوبته، بالطبع فقد وجدت ضالتي في النوم المبكر واستعدت سويعات نوم هاربة من حياتي بسبب السهر المستمر على منغصات الحياة الحضرية " التلفاز والانترنت"...
حميميّة فجائية..
استعدت علاقة قديمة كنت قد نسيتها أو تغافلت عنها من سنين طويلة جدا... بيني وبين الشموع..تذكرت كيف كنت أطفئ الضوء متعمدة لكي أستمتع بضوء الشمعة، وكنت كثيرا ما أتعمد الكتابة على ضوئها الخافت لأخط على دفاتر المراهقة كلمات وخواطر وعبارات على أساس ان ضوئها الجميل يضفي على الكتابة رونقا مختلفا...

علاقتي بالشموع عادت فجأة وبقوة، وأحسست تجاهها بحميميّة كبيرة على إثر الجلوس معها بشكل يومي... وشعرت تجاهها بالامتنان؛ فبفضلها اجتمعت عائلتي بحبّ في سهرات رافقتها طقوس خاصة من أحاديث وقصص قديمة ونقاشات.. إضافة إلى حفلات الشاي والقهوة والحلويات وغيرها، مجتمعين حول "صوبة – مدفأة الغاز" المصدر الوحيد للتدفئة مع انقطاع الكهرباء.
الحياة البدائية، وأمي
انقسمنا في البيت بين متذمر من الوضع وخاصة من برودة الماء وتزامن انقطاع الكهرباء مع منخفض جوي حاد، وكذلك الاضطرار إلى النوم المبكر وبعض إخوتي في عطلتهم الجامعية والمدرسية، وبين مستمتع بالحال الجديد وأبرزهم "امي" التي تحب أي ظرف يجمعنا كلنا مرة واحدة.

أمي ذكرتنا بتزامن وضعنا مع وضع أهل غزة المُهدَّدون بنفاد الوقود والغرق في الظلام من جديد، والذين تنقطع الكهرباء عنهم ثمان ساعات يوميا وأحياناً أكثر، وحدثتنا عن طفولتها عندما لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى القرى بعد، وكان "مصباح الكاز" واسمه بالعامية "البنّورة" أحدث أدواتهم للإضاءة، وصلاة العشاء كانت آخر طقوس يومهم إذ يخلدون للنوم بعدها، بطبيعة الحال كي يستيقظ كلٌّ إلى عمله قبل الفجر.
أنا والشموع..
خلال خمسة أيام أجلت كثيرا من الأشياء.. وتأخرت في العمل لاستكمال بعضها، شحنت هاتفي وكمبيوتري "رغم أنني لم أستخدمه كثيرا" من كهرباء بسيطة استعرناها من بيت الجيران الملاصق لعمارتنا.

خلال تلك الأيام قرأت من جديد على ضوء الشموع بعد أن كنت تركت هذه العادة إلى غير رجعة منذ زمن طويل... استرجعت بعضا من "الرومانسية الشمعية" الغائبة من حياتي في غمرة العمل والأدوات الجامدة التي استخدمها يوميا والتي طغت على مشاعري الذاتية فأحالتها إلى قساوة وجمود مثل التكنولوجيا تماما..
بصراحة خلال ستة أيام شعرت بحاجة ماسة لمعرفة مخترع الشموع بشكلها الرائع الذي يذهلني وبقيت ساعات أتأملها وجَوّها الجميل الذي أسرني.. لأشكره وأشكر الشمعة أيضاً.


الجزيرة توك لا تعبر عن شبكة الجزيرة ولا العاملين فيها، والموضوعات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات
شكرا
شكرا جزيلا أخي الكريم على هذا الكلام الطيب
وبارك الله فيك
ولعل النور يسري في قلوبا جميعا وينعكس على أرواحنا جميعا
كلام جميل خرج من القلب,,,
بارك الله فيكي اختي الكريمة,,,, مي ,
فكلماتك جميلة ,, وحنونة ,, ونور ,, حتى لو خرج من الشموع ,,
فلكتابتك رونق جميل وبدونه لا حياة ,, وانه مشتق من اسمك ,, مي ,, وهو الماء ,,
فبدونها لا حياة ولا كلمات ,,,
نورالدين
أضف تعليقاً