دخانٌ أين من يتّقِي ناره؟

نسخة للطباعةSend to friend

التدخين في العالم العربي
مريم عيتاني - الجزيرة توك - بيروت
ظل السائق على طول الطريق الدولية بين بيروت وعمّان يذكّرنا بين الفينة والأخرى بأنه فعلاً أكرمنا واختار زبائن لا يدخّنون، بعد أن كان هذا شرطنا؛ وكيف أنه سيضطر بذلك إلى التدخين فقط عند نزولنا للاستراحات. وإذ رجعنا مع السائق نفسه، نسينا أن نذكّره بشرطنا هذا، ولكننا لم نتذكر ذلك إلا مع صعود الراكب المجاور لنا والذي كانت رائحته تفوح دخاناً. وما ان صعد حتى تناول سيجارة وبدأ يشعلها فاستوقفه زوجي بلطف راجياً منه عدم التدخين، فأجاب معترضاً: "ولكنني ألغيت سفري بالطائرة كي أستطيع التدخين" (للعلم، سفر الطائرة بين بيروت وعمّان لا يستغرق إلا بحدود الساعة)؛ فتعلل زوجي بوجودي فاعتذر قائلاً أنه لم ينتبه لوجود "أنثى" في السيارة وأنه سيبذل جهده كي يدخن فقط في الاستراحات، بعد أن وعده السائق بزيادة عدد الأخيرة.

 

وفعلاً، كان صاحبنا يحرص عند وقوفنا في أي مكان على النزول وارتشاف سيجارة، بما في ذلك عند الحدود، وحتى في محطات الوقود حيث يمنع التدخين. وكان صاحبنا كلما امتد بنا الوقت في السيارة أكثر من ساعة، يبدأ بالسؤال، متى سنصل استراحة أو نتوقف لارتشاف سيجارة؟. أما الشاب الراكب في المقعد الأمامي فقد ذكر أنه أقلع عن التدخين منذ سنوات قليلة. وهنا أدركت أن السائق لعله "تعذب" فعلاً في إيجاد ركاب يتناسبون وطلبنا "الصعب" في العالم العربي.
 
ولقد كان التدخين في ذاكرة خبرتي المحافظة نوعاً ما، بشكل مستغرب فيه في بلد مثل لبنان، عادة محصورة بأهل القرى ومنتسبي الحزب الشيوعي وبعض أبناء المخيمات، لحين بدأت النارجيلة بغزو مجتمعنا قبل سنوات، وانتشرت خدمة التوصيل المجاني للنراجيل (الأراكيل باللبناني)، وصار منظر الشاب وهو يحمل "النارة" المشتعلة على الدراجة النارية ويسير مسرعاً لتوصيلها منظراً مألوفاً؛ بل أنني فوجئت يوماً باحداهن تخبرني عن سائق سيارة أجرة يضع في الفسحة أمام مقعد الراكب الأمامي نارجيلة، يرتشف منها!. كما أن مكاني المفضل على شاطئ البحر يستحيل الذهاب إليه مساءً بسبب عبق النراجيل فيه. وكما ينتشر بائعو الذرة والفول والكعك على طول الكورنيش، انضم إليهم بائعو الأراكيل على الرغم من "كبر عدة العمل الخاصة بهم".
 
***
هل غدونا "أمة أنفاسها دخان"؟
كنت أتمنى لو أن التدخين محصور في لبناننا "المنفتح"، لكنني تفاجئت في جميع الدول الشرق أوسطية التي زرتها بوجود نسبة عالية من المدخنين، بمن فيهم الإناث، ممن لا يمكن أن تخطئهم العين. وفي حين تتجه نسب مبيعات السجائر عالمياً نحو الانخفاض، فإنها بحسب تقرير المكتب الاقليمي التابع لمنظمة الصحة العالمية لمنطقة شرق المتوسط عندنا في ارتفاع (بحسب أرقام سنة 2000، سجلت امريكا الجنوبية انخفاض 16.5% وامريكا الشمالية انخفاض 7.6% وغرب أوروبا انخفاض 5.9% وافريقيا انخفاض 5.0% أما الشرق الاوسط فسجل ازدياد بنسبة 8.6% وهي الأعلى حيث لم تسجل أي منطقة أخرى ازدياداً باستثناء آسيا والباسيفك لكن بنسبة 3.6% فقط؛ مع الاشارة إلى أن هذه الأرقام تقتصر على السيجارة بشكلها المعروف، ولا تشمل النراجيل التي هي ظاهرة شرق أوسطية بحتة.

 

كما أشارت دراسة علمية نشرت في مجلة طبية بريطانية وأعادت نشرتها صحيفة الشرق الأوسط في شباط/فبراير 2006، أن نسب التدخين بين العرب والمسلمين ترتفع عنها في سائر الدول، حيث كانت اليمن في طليعة الترتيب بـ77% من الرجال و29% من النساء والسعودية في أدناه بنسب 19% بين الرجال و8% بين النساء، وتفاوتت معدلات الدول الأخرى، فسجلت الأردن 49 و10% على التوالي، وسورية (48 و9%) والعراق (40 و5%)، ومصر (40 و18%) وتونس (62 و7.5 %)، والجزائر (44 و6.5 %)، والمغرب (34.5 و1.5%)؛ أما الدول الاسلامية فسجلت أندونيسيا 69 و3% وتركيا 51 و11% وإيران 22 و2%. 
 
*** 
قلة الوعي أم غياب السياسات؟ 
وعلى الرغم من آثار التدخين السلبية المعروفة وأبرزها كون التدخين المسبب الرئيسي والأول للوفيات في العالم بأكثر من خمسة ملايين وفاة سنوياً (بحسب احصاءات سنة 2000)، وعلى الرغم من وجود العديد من الاتفاقيات التي وقعت عليها الدول العربية كاتفاقيات منع نشر اعلانات التبغ خاصة لرعاية الأنشطة والمسابقات الرياضية، إلا أن العديد من الدول العربية لا تتشدد في تطبيق هذه الاتفاقيات. وباستثناء سوريا، لا تحظر الدول العربية التدخين في الأماكن العامة، وهي أحد الاستراتيجيات التي قد تساعد في تخفيض نسب المدخنين كما ثبت في تركيا التي طبقت هذا القانون بدءاً من سنة 2009. كما لا تفرض الدول العربية رقابة على أسعار السجائر والمواد التبغية والنراجيل، حيث أن أسعارها متوفرة للجميع (مثلاً متوسط سعر علبة السيجارة في الامارات 0.36$ وفي مصر 0.42$ وفي لبنان 0.5$ مقارنة بـ 5.15$ في جنوب أفريقيا). ويشدد خبراء السياسات الصحية على أهمية رفع هذه الأسعار لأجل تخفيض نسب المدخنين، بحيث أن ارتفاع أسعارها لا يجعلها في متناول الجميع، خاصة فئات الشباب والمراهقين، وبالتالي حتى لو لم يسهم ارتفاع سعرها في تخفيض نسب المدخنين الحاليين فانه سيمنع العديد من الشباب والذين يفكرون بالتدخين من البدء بذلك.
 
***
تحت الاحتلال! ... وبين العائلات الفقيرة!
ولا تستثنى الأراضي الفلسطينية المحتلة من هذه الآفة السيئة، حيث أشار تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أنه مع نهاية عام 2006، فاق عدد المدخنين في الأراضي الفلسطينية 488 ألف شخص، وأن ما يستهلكه الأفراد الشباب (15-29 سنة) من علب السجائر يقدّر بمعدل 30 ألف علبة يومياً بمتوسط تكلفة قدرها حوالي 78 ألف دولار أمريكي، في الوقت الذي بلغت فيه إجمالي قيمة الواردات الفلسطينية المرصودة من الدخان ما يقارب 45 مليون دولار أمريكي في نهاية العام 2005. 
وبحسب منظمة الصحة العالمية، فان ما تنفقه العائلات الفقيرة على التبغ في الشرق الأوسط يتراوح بين 15 و45% من الدخل اليومي للأسرة وقد يصل إلى 60%!. كما أشار أنه على الرغم مما تنفقه مصر على تكاليف علاج الأمراض التي يسببها التبغ، بقيمة تقديرية هي نحو 454 مليون دولار سنوياً، فان ما تنفقه على استهلاك التبغ يفوق ذلك المبلغ. وفي المغرب، تفوق نفقات التبغ نفقات التعليم. وقد تسبب التدخين بوفاة 60 مليون شخص في الدول المتقدمة بين عامي 1950 و2000، أي أكثر من وفيات الحرب العالمية الثانية، في حين يتوقع أن يتوفى بسبب التدخين ما معدله 10 ملايين شخص سنوياً على مدى العقود الثلاث القادمة!
و لا تقتصر سلبيات التدخين على الأمراض التي يسببها للمدخنين، فان المدخن السلبي بالاكراه (مصطلح علمي يدل على الاشخاص الذين يتواجدون مع المدخنين او بالقرب منهم) يتعرض لما بين 30% إلى 60 % من الخطر الذي يتعرض له المدخن حسب المكان واتساع التهوية به.
 
***
لم تترك لي كل هذه "المقدمات" شيئاً كي أختم. فأمنيات انخفاض نسب المدخنين صارت سراباً مع "صعود نجم" النراجيل، وصاحبنا الذي هانت عليه صحّته ونفسه وشبابه لأجل السيجارة، راعى فيها "وجود أنثى في السيارة"!؛ حتى بتنا لا ندري أية أولويات هي التي تحكم عالمنا وشبابنا.
لم أجد أصدق تعبيراً من هذه الخاطرة الصغيرة المنتشرة في المنتديات:

سأل سيجارته بعد نوبة من السعال؟
لماذا تفعلين بي ما تفعلين؟
فأجابت وهي تتحول إلى رماد:
أنا علب ملونة
ومنها أنت تختار !؟
هان لأجلي المال والدار
أعاديكم، وتحموني!!!!!! ؟
وبالأموال تفدوني!!!!!! ؟
وبالرئتين تغذوني !!!!! ؟
فعلام تلوموني ! ؟؟؟
وأنتم لا تعادوني ؟!؟
إلى الأمراض أدعوكم
تعالوا يا أحبائي
لأقتلكم بوبائي
وأهدافا لأدوائي
لقد سممت أجوائك
وناري أصبحت دائك
فكم آذيت أبنائك
وكم أحرقت أحشائك
مقامي في الشرايين
كوسواس الشياطين
أنا الأمراض أجمعها
أنا السرطان والقار
أنا سل وأخطار
وعند الموت أشكال

التعليقات

صورة سالي

كمان مافي تعليقات أتمنى اليوم

كمان مافي تعليقات
أتمنى اليوم الذي يشعر فيه العرب أن مصيبة التدخين هي من أوائل المعوقات لنهضة أمتنا
أشكر الكاتبة مرة أخرى

صورة سالي

شكرااااااااااااااااااااااااااا

أنا مستغربة من عدم وجود تعليقات شكر فالموضوع يستحق(لم استطع معرفة تاريخ المقال)
المقال رائع نحن بحاجة ماسة الى مثل هذه المقالات أشكر الكاتبة كثيراً و اتمنى منك أن تستمري في كتابة مثل هذه المقالات
و أستأذنك في نشرها و أن ترسلي لي اذا كتبت مرة اخرى أو اذا كان لديك مقالات سابقة

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.