غزة بعيون مصرية (2)
عمرو مجدي - الجزيرة توك – غزة
هل تتذكر أين توقفنا في الجزء الأول؟ نعم نعم حينما ذهبنا إلى المستشفى، وكانت هناك مفاجأة، يبدو أن ذاكرتك أقوى مما توقعت.. دعنا نكمل فوراً إذن!
كانت أقرب مستشفى لنا في رفح هي مستشفى الشهيد يوسف النجار، وهنا في غزة تستطيع أن تؤلف من أسماء المستشفيات والمدارس والشوارع قاموساً بأسماء الشهداء..
دلفنا إلى المستشفى، وجاء شاب يرتدي البالطو الأبيض (المعطف حتى لا يغضب أصدقاؤنا اللغويون)، لم أحرص أن أظهر أن لي علاقة بالطب، فأنا كما تعرفونني في الطب – على الأقل حتى الآن - حمار يحمل أسفاراً .. لكن قلت له إنه إن كان لابد من الغزر فيجب أن يستعمل خيوط تجميل.. وكما ترون إنها معلومة باستطاعة أي طفل أن يقولها.. مفيد جدا أنا!

لم أكن أعرف هل يمتلكون خيط تجميل أم لا، المستشفى تبدو متواضعة جداً، برغم أنها ثاني أكبر مستشفى في رفح، وحينما سألت أحد الشباب ذوي المعاطف البيضاء إن كانوا أطباء أخبرني أنه لا يوجد أطباء هنا! كلهم متدربون وممرضون.. أخبرته أنني أدرس الطب في العام السادس، فقال لي سنخيطه أفضل مما تفعلون في مصر!
لكن فجأة وجدنا عدداً من الأشخاص يدخلون دافعين أمامهم سريراً يرقد عليه شخص، استنتجت لأول وهلة من وضعية أطرافه أنه إما متشنج وإما في حالة التصلب الرومّي ما بعد الموت بساعات قليلة.
كان شهيداًً، هذا واضح من زيه العسكري، وكانت الدماء تتساقط من رأسه.. يا رب السموات أنا الذي بقيت 6 سنوات في كلية الطب حتى الآن لم أر منظراً أفزع من ذلك! كان كل المتواجدين أكثر تماسكاً وشعرت أنهم ألفوا الموت.. لقد باتت هذه الأمور اعتيادية لديهم.. إبراهيم عمر صديقي برغم أنه صحفي رياضي كان يدفعني للدخول و"المشاهدة"!
كان الشهيد مجهول الهوية، لم يتعرفه أحد، وجد مقتولا على حدود رفح مع إسرائيل، بعدة رصاصات اخترقت جمجمته، ولم يكتف الصهاينة بذلك وإنما أطلقوا عليه الكلاب البوليسية، كان هذا واضحا من خلال بعض اللحم المهتوش في أماكن عدة في جسده.
بعد قليل جاء أحدهم وقال إنه تحرى عن الأمر وعرف اسمه والكتيبة التي ينتمي لها، وحينما مزق الأطباء قميصه باستخدام المشرط كان القميص السفلي يحمل شعار كتائب شهداء الأقصى..
انتظرنا في الخارج حتى فرغوا من أشياء لا أدري كنهها، وجاء شاب ودود جدا ليخيط جرح محمود، وعندما فرغ خرجنا هكذا بدون أن ندفع مليماً! لا أدري لماذا.. لكن يبدو لأننا مصريين.
ونحن خارجون من المستشفى قال لي إبراهيم إنهم كانوا ينتوون أن يأخذوننا لزيارة مستشفى الشفاء أكبر مستشفيات القطاع، فهي تمثل (ختم خروج) لكل الشهداء، يجب أن يعبروا منها قبل مواراتهم الثرى، لكننا كنا (محظوظين) حينما جاء الشهيد لنا، وكان في استقبالنا في رفح!
أمطرت السماء قطعاً صغيرة من الثلج، ونحن في انتظار سيارة توصلنا من رفح الفلسطينية إلى قلب غزة، قال لي صديقي رزق عروق إنها أول مرة "تشتي" عندهم، ربما كانت تحتفل بنا إذن..
معظم سيارات الأجرة هنا هوينداي كبيرة من موديل حديث وبلون أصفر، وكذلك سيارات المرسيدس لكن الأخيرة تستعمل داخل المدينة، تذكرت على الفور سيارات التاكسي المتهالكة في مصر التي يعود بعضها إلى الستينات، وسيارات الفولكس التي تسير وبابها مفتوح!!
سلك السائق طريقه إلى غزة موازيا للشاطئ، قال لي رزق موضحاً إن هذه الطريق كانت محرمة على الغزاويين عندما كانت غزة ترزح تحت الاحتلال حتى عام 2005، كان هذا الطريق كله محتلاً بالمستوطنات من جهة، والشاليهات اليهودية من جهة أخرى..
كان البحر ثائراً وكأنه ساخط هو الآخر على الحصار، سألت رزق إن كانت لديهم هناك صناعة الصيد، فقال لي إنها بدائية بسفن صغيرة، وغير مسموح للفلسطينيين بتجاوز 5 كيلومترات في عمق البحر وإلا تعرضوا للقصف من البوارج الصهيونية.
مررنا في طريقنا كذلك على بقعة على الشاطئ تحتلها الخيم وأكشاك للمبيت يسكنها البعض، كانت هناك أيضا بعض قطع الأرض المزروعة و"صوبات" الزراعة..
حين جاء وقت دفع الأجرة، دفع الرجل الذي يجلس في الخلف أجرة راكبين فقط، له ولزوجته، وهنا قال له السائق إنه انطلق عندما ظن إن الرجل سيدفع أجرة ثالثة لأن ابنه كان يحتل مكانا، قبل أن يضعه على حجره، بعد جدال قصير دفع الرجل أجرة راكب ثالث..
بعد قليل وجدت السائق يرجع الأجرة مرة أخرى للرجل، دهشت كثيراً ، لو حدث هذا الموقف في مصر لقام السائق بقذف الراكب وأسرته من نافذة السيارة!
وصلنا إلى غزة بعد حوالي 30 دقيقة، وذهب بنا صديقانا إلى شارع الرمال، قال لي إبراهيم إن هذا من أرقى الشوارع في غزة، ويحتوي مكاتب معظم وكالات الأنباء مثل قناة الجزيرة والعربية والبي بي سي ورماتان.
على مقربة منه كان المجلس التشريعي، اقترح عبد الرحمن أن نذهب هناك لنأخذ جولة، وأمامه مباشرة تقع حديقة جميلة صغيرة، قال لي إبراهيم إنها الحديقة الوحيدة تقريبا في المدينة، حيث يلتقي المحبون..
في وسط المكان كان نصب تذكاري للجندي المجهول أو شيء من هذا القبيل لكن التمثال نفسه لم يكن موجوداً .. قال لي رزق إنه بعد سيطرة حماس على القطاع جاء بعض السلفيين وأزالوا التمثال!
المدينة تبدو هادئة جداً، بإمكانك استعمال الكاميرا بحرية كبيرة، لا يوجد ذلك الفزع الأمني الذي تلحظه بوضوح في شوارع القاهرة، دخلنا إلى الساحة الخارجية للمجلس التشريعي، ووجدت لوحة رخامية نقش عليها إن أنور السادات - بالنيابة عن الرئيس - افتتح هذا المجلس لأول مرة في عهد عبد الناصر عام 1958.
جاء رجال أمن ليلتقطوا بعض الصور معنا، لكن أحدهم كان أكثر تشددا وسألني ما إذا كنت أحمل لابتوب في الحقيبة وقام بتفتيشها ثم سمح لنا بالتصوير، لكن في العموم كان الجميع يحتفون بنا بسعادة عندما يعرفون أننا مصريون.
كان الجوع والتعب قد بلغا مني الكثير، وأخبرت رزق إنني أريد أن آكل زعتر.. ضحك وقال لي إن هذا في العشاء، ذهبنا إلى مطعم قريب يسمى (معتوق) ، كان أنيقا وظريفا.. لا توجد مطاعم الـ take away الأمريكية هنا فيما يبدو.
جاءوا بالطعام بعد قليل، كان كثيراً جداً .. هنا يسمون محشي ورق العنب (دوالي) .. سألنا النادل الذي كان رجلاً كبيراً وودوداً عن السبب قال لي لأن الورقة بها عروق تشبه الدوالي.. لكن في المجمل الطعام هنا لا يختلف كثيرا عن طعام المصريين.
دفع رزق وإبراهيم ما أعتقد أنه يوازي مرتب موظف مصري في الشهر، الحياة هنا مكلفة جداً وفي نفس الوقت المرتبات كبيرة جدا إذا ما قورنت بالحال في مصر.
كنت على تنسيق مع عمو محسن أبو إبراهيم، الذي تعرفت عليه في مصر مع ابنه محمد قبل أكثر من سنتين تقريبا، وكان سببا أساسيا في تشجيعي للقيام بهذه الرحلة، اتصلت به وأخبرته أننا في الطريق إليهم حيث يسكن في مخيم الشاطئ.


الجزيرة توك لا تعبر عن شبكة الجزيرة ولا العاملين فيها، والموضوعات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات
أضف تعليقاً